✨ الفصل الثاني >>
✨ الفصل الثاني — ما قبل الرحيل
لم يشرق الصباح في قصر **كريستال هايتس** كما العادة…
فالشمس، وإن أشرقت على باقي أرجاء *ثورنهافن*، بدت خجولة في الاقتراب من نوافذ القصر، كأنها تخشى ما يدور خلف جدرانه.
في البهو الرئيسي، كانت **الأميرة إيفلين** تتنقّل ببطء بين اللوحات القديمة المُعلّقة.
كل لوحة كانت تُحدثها صامتة: وجوه الأجداد الذين حكموا المملكة، وجوه يعرفها التاريخ أكثر مما تعرف نفسها.
وقفت أمام لوحة كبيرة لجَدّها، الملك *ريتشارد الثالث من ثورنهافن*.
كان وجهه فيها مهيبًا، عيناه زرقاوان بنفس لون الحجر الذي يتوّج تاج المملكة.
تمتمت كأنها تخاطبه:
> "هل كنت تعرف؟ هل حقًا وضعت اللعنة بيدك عندما أمرت بصياغة التاج؟"
تناهى إلى سمعها صوت خطوات خلفها.
استدارت لتجد **مارغريت**، الخادمة العجوز التي رافقتها منذ طفولتها، تحمل على ساعديها ثوب السفر القاتم ومعطفًا سميكًا.
قالت مارغريت بصوتٍ خافت:
> "سمعتُ أنكم سترحلون الليلة، يا صاحبتي… الطريق إلى *ثورهَيفن القديمة* موحلٌ وصعب في هذا الفصل من السنة."
ابتسمت *إيفلين* ابتسامة متعبة وهي تُزيل أحد الغبار عن كمّ الثوب:
> "أعرف، لكن لا خيار. إن لم أذهب الآن، فسيبتلع الصمت كل شيء."
تقدّمت مارغريت خطوة، ثم وضعت الثوب على مقعد قريب، وهمست:
> "هناك أمر آخر… في الممرّ الغربي، سمعت فجراً أصواتًا، كأن أحدهم يفتح أبواب المخزن القديم. أرسلت الحراس، لكن لم نجد شيئًا. غير أن صندوق اللعنة… ذلك الصندوق الصغير الذي جلبه اللورد جيمس أمس، كان مبلّلًا بالماء، وكأنه خرج لتوّه من النهر."
تجمّدت *إيفلين* لحظة وهي تستمع، وأحسّت بقشعريرة تسري كنسمة باردة في شتاءٍ بلا نار.
في تلك الأثناء، دخل **اللورد جيمس روفورد** بزيّه الداكن وقبعته العالية، حاملاً خريطة ملفوفة وحقيبة جلدية صغيرة.
قال وهو يحيّيها بانحناءة قصيرة:
> "لدينا بضع ساعات قبل الليل، سموّكِ. وجهتنا الأولى دير *سانت موريس* في الجبال؛ هناك أحد الرهبان يحتفظ بسجلّات لم تُفتح منذ قرن. إذا كانت اللعنة فعلًا ولدت مع التاج، فذلك المكان يحوي تاريخها."
أومأت *إيفلين* برأسها، ثم التفتت إلى النافذة المغبّشة بالندى، وقالت دون أن تنظر إليه:
> "هل تؤمن باللعنات يا جيمس؟"
بقي صامتًا ثوانٍ، ثم أجاب بهدوء:
> "أنا لا أؤمن بها، لكنّي لا أستهين بها. كثير من الأكاذيب تبدأ بخرافة… وكثير من الحقائق تنتهي كلعنة."
نزلت كلماتُه كأنها نبوءة.
في اللحظة التالية، دقّ جرس القصر دقاتٍ بطيئة وعميقة. جرس لم يُقرع منذ وفاة الملكة *إليانور* قبل عشرين عامًا.
بدت الدقات كأنها تُعلن شيئًا ما، شيئًا لم يُعرف بعد، لكنه بالتأكيد ليس مجرد نذير سفر.
رفعت *إيفلين* عينيها نحو السماء الرمادية خلف الزجاج، وقالت بخفوت لا يسمعه إلا قلبها:
> "يبدو أن *ثورنهافن* استيقظت أخيرًا."